أبو حامد الغزالي
259
تهافت الفلاسفة
واحد من آحاد المياه ، فقد يظن أنه كلى بهذا المعنى ، فكذلك إذا رأى اليد مثلا حصل في الخيال وفي العقل ، وضع أجزائها ، بعضها مع بعض ، وهو انبساط الكف ، وانقسام الأصابع عليه ، وانتهاء الأصابع على الأظفار ، ويحصل مع ذلك صغره وكبره ، ولونه ، فإن رأى يدا أخرى تماثلها في كل شئ ، لم تتجدد له صورة أخرى ، بل لا تؤثر المشاهدة الثانية ، في إحداث شئ جديد في الخيال ، كما إذا رأى الماء بعد الماء في إناء واحد ، على قدر واحد ، وقد يرى يدا أخرى ، تخالفها في اللون والقدر ، فيحدث له لون آخر وقدر آخر ، ولا تحدث له صورة جديدة لليد ، فإن اليد الصغيرة السوداء ، تشارك اليد الكبيرة البيضاء في وضع الأجزاء ، وتخالفها في اللون والقدر ، فما تساوى فيه الأولى « 1 » لا تتجدد له صورتا ، إذ تلك الصورة ، هي هذه الصورة بعينها ، وما تخالفها تتجدد صورته . فهذا معنى الكلى في العقل والحس جميعا ، فإن العقل إذا أدرك صورة الجسم من الحيوان ، فلا يستفيد من الشجر صورة جديدة في الجسمية ، كما في المثال « 2 » في إدراك صورة المائين ، في وقتين ، وكذا في كل متشابهين ، وهذا لا يؤذن بثبوت كلى لا وضع له أصلا . على أن العقل قد يحكم بثبوت شئ لا إشارة إليه ، ولا وضع له ، كحكمه بوجود صانع العالم ، ولكن من أين أن ذلك لا يتصور قيامه بجسم ؟ ! ، وفي هذا القسم يكون المنتزع عن المادة ، هو المعقول « 3 » في نفسه ، دون العقل والعاقل ، فأما في المأخوذ من المواد ، فوجهه ما ذكرناه .
--> ( 1 ) في الأصول « الأول » . ( 2 ) في نسخة « كما في الخيال بإدراك صورة المائين » . ( 3 ) يعنى يسمى معقولا باعتبار ذاته ، لا باعتبار وجوده في عقل المعاقل .